بينما تستمر المعارك التي مزقت البلاد وأجبرت الملايين على النزوح من منازلهم، يواجه المزارعون في السودان عدواً آخر لا يصدر عنه صوت الرصاص والمدافع، بل جفاف قد يعيد السودان إلى براثن المجاعة.
في بلد أنهكه الحرب والتشرد، لم تعد المأساة تقتصر على منظر الأرض المتشققة التي تنتظر المطر، ولا على قوافل النازحين الهاربين من المعارك؛ بل جعل الجفاف المشهد أكثر قسوة في بلد لطالما وصف بأنه أحد سلال الغذاء المحتملة في العالم العربي.
الجفاف وتذبذب الأمطار يضيفان ضغوطاً جديدة على ملايين السودانيين، خاصة في المناطق الريفية حيث تعتمد الزراعة والرعي على مواسم الأمطار. ولا تقتصر آثار نقص المياه على الحقول فقط، بل تمتد لتشمل الثروة الحيوانية ومصادر الدخل وقدرة الأسر على تأمين الغذاء الأساسي.
وبحسب الدراسات المناخية، تواجه المناطق الزراعية والرعوية في دارفور والنيل الأزرق وسنار والجزيرة تفاوتاً شديداً في هطول الأمطار وتراجعاً في الغطاء النباتي، ما يهدد الإنتاج الزراعي وسبل العيش. وتقول لجنة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (مبادرة مدعومة من الأمم المتحدة) إن جفافاً شديداً مرتبط بظاهرة النينيو أثر على أكثر من نصف مساحة السودان، وتسبب في فشل المحاصيل المحلية وحرمان الأسر من الغذاء والدخل. وقدرت اللجنة في مايو أن نحو 19.5 مليون شخص، أي أكثر من 40% من السكان، يواجهون مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي.
في شمال دارفور، أدى تأخر هطول الأمطار وتراجع المخزون الغذائي إلى تفاقم الأزمة، بينما تشهد غرب كردفان واحدة من أسوأ موجات الجفاف منذ عام 2004، وفقاً لسجلات الأمطار.
وأكدت بيانات دولية أن الأمطار خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، التي تمثل ذروة موسم الأمطار، كانت الأقل منذ أكثر من ثلاثين عاماً في جميع أنحاء السودان. وحذرت الأمم المتحدة من أن نقص الأمطار الحاد يزيد من تفاقم الكارثة الإنسانية، خاصة في دارفور وأجزاء من كردفان، حيث تضع الحرب السكان في صعوبات متزايدة للوصول إلى الغذاء والماء والخدمات الصحية.
الزراعة في السودان ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل كانت أساساً لملايين الأسر ومصدراً للغذاء والدخل والاستقرار الاجتماعي عبر الأجيال. وفي المناطق الريفية، تعتمد العديد من الأسر على مواسم الأمطار لإنتاج المحاصيل وتوفير العلف للماشية، بينما ترتبط الأسواق المحلية بحركة المزارعين والرعاة والتجار.
أصبحت الأمطار التي ينتظرها المزارعون كل عام مصدر قلق متزايد: الأرض التي يفترض أن تنتج الغذاء والعلف فقدت الكثير من ريها الطبيعي، والحقول التي نجت من الدمار والنزوح باتت مهددة بتراجع المحاصيل. وتقل قدرة المنظمات الإنسانية على إطعام الأسر التي فقدت مصادر رزقها، ما يشكل أزمة ثلاثية تجمع بين الحرب والجفاف ونقص التمويل، وتخاطر بتحويل انعدام الأمن الغذائي إلى كارثة أكثر خطورة في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.

وفي بيان صدر في أكتوبر الماضي، حذرت دينيس براون، منسقة الأمم المتحدة المقيمة للشؤون الإنسانية في السودان، من أن نقص الأمطار الحاد في بعض المناطق يعمق الأزمة لملايين الأشخاص. وأكدت براون أن الأطفال الذين تعرضوا للنزوح المتكرر يواجهون مخاطر إضافية تتعلق بسوء التغذية والأمراض، مضيفة أن المزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة بحاجة إلى دعم عاجل قبل موسم الزراعة الشتوي.
أكثر من 90% من الأراضي الزراعية في السودان تعتمد على الأمطار، ويقدر المركز الأوروبي لمراقبة الزراعة مساحة الأراضي الزراعية بنحو 206,000 كيلومتر مربع، والمراعي بنحو 405,000 كيلومتر مربع، من إجمالي مساحة السودان المقدرة بنحو 1.86 مليون كيلومتر مربع. ورصد المركز عجزاً في الأمطار خلال ثلاثة أشهر في نحو 196,000 كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية والمراعي النشطة.
انخفاض الأمطار يبطئ تجدد الحشائش ويقلل المياه السطحية، ما يجبر الرعاة على قطع مسافات أطول بحثاً عن المراعي بسبب نقص العلف.
وقد ينعكس ذلك على إنتاج الألبان واللحوم وأسعار الحيوانات ودخل الأسر، ويزيد من التنافس على موارد المياه والمراعي.
لكن المناخ ليس الجبهة الوحيدة: فالصراع يقيّد وصول المزارعين إلى أراضيهم ويدفعهم للنزوح، ويعطل البنية التحتية وتوفر المدخلات الزراعية، وعندما يتزامن ذلك مع نقص الأمطار، تتراجع قدرة المجتمعات على تعويض خسائر المحاصيل والثروة الحيوانية ويتفاقم انعدام الأمن الغذائي بشكل خطير.
لمواجهة هذه الخسائر، تحتاج الاستجابة الإنسانية إلى إغاثة غذائية عاجلة، بذور ملائمة للظروف الجافة، إعادة تأهيل الآبار والخزانات، توفير الأعلاف والخدمات البيطرية، دعم المزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة، تطوير الري التكميلي وحصاد مياه الأمطار. فتح الطرق والأسواق، وتمكين المزارعين من الوصول إلى أراضيهم وتقديم المساعدة للمتضررين، كلها شروط أساسية لنجاح التعافي.
بلغت الموارد المتاحة لبرنامج الأغذية العالمي في عملياته بالسودان نحو 276 مليون دولار أمريكي حتى 17 أكتوبر 2026، أي أقل من نصف ميزانية العام الماضي، بينما يحتاج البرنامج إلى 134 مليون دولار إضافية لمواجهة الجوع المرتبط بالجفاف، ونقص التمويل أدى إلى تقليص حصص الغذاء في بعض مناطق السودان إلى النصف تقريباً.
بين أرض تتشقق عطشاً وحقول تنتظر أمطاراً غير منتظمة وملايين أنهكهم الحرب والنزوح والجوع، يواجه السودان أزمة تتجاوز حدود الطقس: الجفاف يحطم أي أمل في التقاط الأنفاس، ويهدد بتعميق خسائر المزارعين والرعاة، وتوسيع دائرة الفقر وزيادة الاعتماد على المساعدات، في بلد يمتلك موارد زراعية هائلة قادرة على إطعام الملايين إذا توفرت له ظروف الاستقرار والتعافي.
عن قطر ليفنج:
منذ عام 2005، تُعد قطر ليفنج الوجهة الموثوقة لكل ما يتعلق بقطر. باعتبارها أكبر مجتمع ومنصة إلكترونية في البلاد، تربط قطر ليفنج الناس بالفرص من خلال الوظائف والعقارات والمركبات والخدمات والإعلانات المبوبة والفعاليات والمعلومات المحلية والأخبار العاجلة. يثق بها المقيمون والجدد والزوار والشركات على حد سواء، وتجمع قطر ليفنج قطر في مكان واحد.
إنستغرام - @qatarliving
X - @qatarliving
فيسبوك - Qatar Living
يوتيوب - qatarlivingofficial
التالي

الرئيس الأوكراني يبحث تسريع حصول بلاده على صواريخ باتريوت بعد صفقة أمريكية بقيمة 2.1 مليار دولار
الرئيس الأوكراني يناقش تسريع حصول أوكرانيا على صواريخ باتريوت بعد صفقة أمريكية بقيمة 2.1 مليار دولار لتعزيز الدفاع الجوي ضد الهجمات الروسية
نوفمبر 2026,1
كندا والاتحاد الأوروبي يطلقان "تحالف المستقبل" لتعزيز شراكتهما الاقتصادية والأمنية
كندا والاتحاد الأوروبي يطلقان تحالف المستقبل لتعزيز الشراكة الاقتصادية والأمنية وتوسيع التعاون في التجارة والذكاء الاصطناعي والطاقة والدفاع
أكتوبر 2026,31
كوريا الشمالية تطلق نحو 12 صاروخاً مع تصاعد التوتر مع كوريا الجنوبية
كوريا الشمالية تطلق 12 صاروخاً باليستياً مع تصاعد التوتر مع كوريا الجنوبية بعد انفجار لغم أرضي على الحدود ومحادثات عسكرية فاشلة
أكتوبر 2026,29
آفاق عالمية: جلسة في الدوحة تسلط الضوء على تنامي دور القوى المتوسطة في الاقتصاد العالمي
جلسة في الدوحة تناقش تصاعد دور القوى المتوسطة في الاقتصاد العالمي وأهمية الشراكات الإقليمية وبناء التحالفات لمواجهة التحولات الجيوسياسية.
أكتوبر 2026,29














